عبد الرحمن السهيلي
223
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
شعر حسان في الرد على الزبرقان : وقول حسان : * ببيت حريد عزّه وثراؤه * يريد : بيت شرفهم من غسان وهم ملوك الشام ، وهم وسط الأعاجم ، والبيت الحريد : المنفرد عن البيوت ، كما انفردت غسان ، وانقطعت عن أرض العرب ، وكان حسان يضرب بلسانه أرنبة أنفه هو وابنه وأبوه وجده ، وكان يقول : لو وضعته يعني لسانه على حجر لفلقه ، أو على شعر لحلقه ، وما يسرني به مقول من معد . وقول حسان : * يخاض إليه السم والسلع * السلع : شجر مر . قال أمية بن أبي الصلت : عشرٌ ما وفوقه سلعٌ ما * عائلٌ ما ، وعالت البيقورا يريد أنهم كانوا إذا استسقوا في الجاهلية ربطوا السلع والعشر في أذناب البقر . وقوله : شمعوا ، أي : ضحكوا ومزحوا . قال الشاعر المتنخل الهذلي يصف الأضياف : وأبدؤهم بمشمعةٍ وأثني * بجهدي من طعامٍ أو بساط وفي الحديث : من تتبع المشمعة شمع الله به . يريد من ضحك من الناس وأفرط في المزح . وقوله : * أو وازنوا أهل مجدٍ بالنّدى متعوا * أي : ارتفعوا ، يقال : متع النهار إذا ارتفع . وقول حسان : * وطبنا له أنفساً بفيء المغانم * يريد : طيب نفوسهم يوم حنين حين أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم ، ولم يعط الأنصار شيئاً . شرح قول ابن الأهتم لقيس بن عاصم : فصل : وذكر قول عمرو بن الأهتم لقيس بن عاصم : ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند النبيّ فلم تصدق ولم تصب الهلباء : فعلاء من الهلب وهو الخشين من الشعر ، يقال منه : رجل أهلب ، ومنه قول الشعبي في مشكلة نزلت : هلباء زباء ذات وبر ، كأنه أراد بمفترش الهلباء ، أي : مفترشاً لحيته ، ويجوز أن يريد بمفترش الهلباء ، يعني امرأةً . وقيل : الهلباء ، يريد بها ها هنا دبره ، فإن كان عنى امرأةً ، فهو نصب على النداء . ما نزل في وفد تميم : وذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى فيهم في سورة الحجرات ، وقد كان عمر وأبو بكر اختلفا في أمر الزبرقان وعمرو بن الأهتم ، فأشار أحدهما بتقديم الزبرقان ، وأشار الآخر بتقديم عمرو بن الأهتم حتى ارتفعت أصواتهما ، فأنزل الله عز وجل : « يا أيُّها الذين آمنوا لا تُقَدِّموا بين يَدَيِ اللّه ورسوله واتَّقُوا اللّه » إلى قوله : « لا تَرْفَعُوا أصواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ » فكان عمر بعد ذلك إذا كلم النبي عليه السلام لا يكلمه إلا كأخي السرار . إن من البيان لسحراً : وفي هذا الوفد جاء الحديث أن رجلين قدما من نجد فخطبا ، فعجب الناس لبيانهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحراً ، وأدخله مالك في باب ما يذم من القول ، من أجل أن السحر مذموم شرعاً ، وغيره يذهب إلى أنه مدح لهما بالبيان واستمالة القلوب كالسحر ، وكان من قولهما . إن عمراً قال للنبي صلى الله عليه وسلم في الزبرقان : إنه مطاع في أدنيه سيد في عشيرته ، فقال الزبرقان : لقد حسدني يا رسول الله لشرفي ، ولقد علم أفضل مما قال . قال : فقال عمرو : إنه لزمر المروءة ضيق العطن لئيم الخال ، فعرف الإنكار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وسخطت فقلت أقبح ما علمت ، ولقد صدقت